نُظِّم هذان اليومان الدراسيان من طرف رئاسة النيابة العامة، بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمفتشية العامة للمالية، والمجلس الأعلى للحسابات. ويأتي هذا الحدث في سياق وطني يتسم بالإرادة الهادفة لصون المال العام، باعتباره، في الآن نفسه، رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ورمزاً لنزاهة مؤسسات الدولة.
وقد شكّلت هذه التظاهرة فضاءً للحوار والتفكير المشترك حول سبل تطوير وتفعيل آليات الرقابة، بما يُعزز ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية، ويساهم في محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية. كما شكل هذا اللقاء فرصة لتعزيز التنسيق والتواصل بين مختلف المؤسسات والهيئات المعنية بالحكامة الجيدة وبالتطبيق السليم للقانون في تدبير الشأن العام بالمغرب.
تميزت الجلسة الافتتاحية بمداخلات كل من السيدة الوزيرة، والسيد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الرئيس الأول لمحكمة النقض، والسيد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، والسيدة زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، والسيد محمد منشود، المفتش العام للمالية، والسيد هشام الملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة، نيابة عن السيد وزير العدل.
وقد شددت السيدة وزيرة الاقتصاد والمالية، في معرض كلمتها، على انخراط الحكومة الثابت في تفعيل التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، بخصوص تكريس النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة، لا لكونها قيما أخلاقية فقط، بل تتجاوز ذلك لتكون ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وتعزيز الثقة في المؤسسات وجلب الاستثمار.
ولكون الرقابة الإدارية إحدى أعمدة النظام المالي للدولة، فهي تمارَس على مستويات متكاملة تضمن التوازن بين الإلزام القانوني والفعالية التدبيرية، إذ لا يعقل أن يتم تحصيل المداخيل العمومية درهماََ درهماََ ويتم إنفاقها بالملايير بدون رقابة قبلية وبعدية.
كما أشارت السيدة الوزيرة، خلال هذا اللقاء العلمي المتميز، إلى أهمية ترسيخ منظومة رقابية مندمجة ومتكاملة، تنبني على تصور شمولي لحماية المال العام، وتنسيق وتعاون مؤسساتيين دائمين بين السلطات الدستورية، بتنوع وظائفها وأدواتها، وكذا على تكامل بين الفعل التشريعي والإداري والقضائي.
وتجسيدا لهذه المبادئ، تظل وزارة الاقتصاد والمالية، من خلال المفتشية العامة للمالية، منفتحة على التعاون مع كل المؤسسات الوطنية ذات الصلة، لترسيخ ثقافة الرقابة والشفافية في المرفق العمومي. إذ تحال تقارير المفتشية، التي يتم إعدادها وفق منهجية دقيقة ومسطرة تواجهية، على الجهات الحكومية المعنية باتخاذ الإجراءات الإدارية أو التأديبية اللازمة، وبتحريك مسطرة المتابعة القضائية في حق كل من ثبت ارتكابه لتجاوزات أو مخالفات. كما تُحال هذه التقارير على المجلس الأعلى للحسابات، الذي يُناط به، وفق اختصاصاته، رفع الأمر إلى القضاء المختص كلما تبين وجود أفعال تكتسي طابعاً جنائياً.
من جانبه، أبرز السيد المفتش العام للمالية الدور المحوري للمفتشية العامة للمالية في منظومة الحكامة المالية، وذلك منذ إحداثها من طرف جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، بموجب الظهير الشريف المؤرخ في 14 أبريل 1960. ولعل أهم عناصر فعاليتها تكمن في القدرة على اعتماد الفجائية والاحترافية في تنفيذ المهام الرقابية، بما يضمن الوصول إلى نتائج دقيقة وموضوعية.
ولقد أكد، في هذا السياق، على ضرورة ملاءمة الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر لمهام المفتشية العامة للمالية، وذلك من أجل الحد من تضخم الافتحاصات السنوية المتكررة إجباريا وتوجيه الجهود الرقابية نحو المجالات ذات الأولوية والقيمة المضافة العالية، التي تنطلق من تقييم منهجي وموضوعي رصين للمخاطر. كما ترتبط الاحترافية بالتجويد المستمر لتدبير الرأسمال البشري للمفتشية والتحيين المرن لطرق ومناهج ووسائل عملها.
علاوة على ذلك، شدد السيد المفتش العام للمالية على الحماية القانونية للمفتشين، والتي تعتبر من الثوابت الضرورية لاستقلالية الرقابة ونجاعتها. فلا يجوز تعريض نزاهة المفتشين أو كفاءتهم للطعن أو للمضايقة بشكل ظالم وكيدي يهدد سير عمل المنظومة بكاملها.
ويبقى إنشاء نظام مناسب للعقوبات ضد كل من يعيق مهام الرقابة أو يمتنع عن التعاون أو عن تزويد المفتشين بالمعلومات الضرورية لإنجاز مهامهم، مطلبا ملحا، إذ أن تفعيل هذا النظام من شأنه ضمان الالتزام بالقانون، والحيلولة دون أي استسهال أو تلاعب أو إهدار لوقت التفتيش والتدقيق.
وتوزعت أشغال هذين اليومين الدراسيين على أربعة محاور رئيسية:
❶ المال العام وفقا لأحكام القانون والاجتهاد القضائي والمعايير الدولية : المرجعيات والمفاهيم.
❷ الآليات الحمائية لصون المال العام.
❸ دور الرقابة القضائية في حماية المال العام وتخليق الحياة العامة.
❹ آليات استرجاع المال العام.
وقد مكن هذا اللقاء من استعراض الوسائل المتاحة والإنجازات المحققة والتحديات المطروحة، واختُتمت باعتماد توصيات عملية تهدف إلى تعزيز فعالية المنظومة الوطنية لحماية المال العام وترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة.